ابن كثير
370
البداية والنهاية
إن الناس يلدون أبناء وولدت أنا أبا . وكان أصحابه يجلسون حوله ويكتبون عنه الفراسة ، فبينما هم حوله جلوس إذ نظر إلى رجل قد جاء فجلس على دكة حانوت ، وجعل كلما مر أحد ينظر إليه ، ثم قام فنظر في وجه رجل ثم عاد ، فقال لأصحابه : هذا فقيه كتاب قد أبق له غلام أعور فهو يتطلبه ، فقاموا إلى ذلك الرجل فسألوه فوجدوه كما قال إياس ، فقالوا لإياس : من أين عرفت ذلك ؟ فقال : لما جلس على دكة الحانوت علمت أنه ذو ولاية ، ثم نظرت فإذا هو لا يصلح إلا لفقهاء المكتب ، ثم جعل ينظر إلى كل من مر به فعرفت أنه قد فقد غلاما ، ثم لما قام فنظر إلى وجه ذلك الرجل من الجانب الآخر ، عرفت أن غلامه أعور . وقد أورد ابن خلكان أشياء كثيرة في ترجمته ، من ذلك أنه شهد عنده رجل في بستان فقال له : كم عدد أشجاره ؟ فقال له : كم عدد جذوع هذا المجلس الذي أنت فيه من مدة سنين ؟ فقلت : لا أدري وأقررت شهادته . ثم دخلت سنه ثلاث عشرين ومائة ذكر المدائني عن شيوخه : أن خاقان ملك الترك لما قتل في ولاية أسد بن عبد الله القسري على خراسان ، تفرق شمل الأتراك ، وجعل بعضهم يغير على بعض ، وبعضهم يقتل بعضا ، حتى كادت أن تخرب بلادهم ، واشتغلوا عن المسلمين . وفيها سأل أهل الصغد من أمير خراسان نصر بن سيار أن يردهم إلى بلادهم ، وسألوه شروطا أنكرها العلماء ، منها أن لا يعاقب من ارتد منهم عن الاسلام ، ولا يؤخذ أسير المسلمين منهم ، وغير ذلك ، فأراد أن يوافقهم على ذلك لشدة نكايتهم في المسلمين ، فعاب عليه الناس ذلك ، فكتب إلى هشام في ذلك فتوقف ، ثم لما رأى أن هؤلاء إذا استمروا على معاندتهم للمسلمين كان ضررهم أشد ، أجابهم إلى ذلك ، وقد بعث يوسف بن عمر أمير العراق وفدا إلى أمير المؤمنين يسأل منه أن يضم إليه نيابة خراسان ، وتكلموا في نصر بن سيار بأنه وإن كان شهما شجاعا ، إلا أنه قد كبر وضعف بصره فلا يعرف الرجل إلا من قريب بصوته ، وتكلموا فيه كلاما كثيرا ، فلم يلتفت إلى ذلك هشام ، واستمر به على إمرة خراسان وولايتها . قال ابن جرير : وحج بالناس فيها يزيد بن هشام بن عبد الملك ، والعمال فيها من تقدم ذكرهم في التي قبلها . وتوفي في هذه السنة ربيعة بن يزيد القصير من أهل دمشق ، وأبو يونس سليمان بن جبير ، وسماك بن حرب ، ومحمد بن واسع بن حيان ( 1 ) ، وقد ذكرنا تراجمهم في كتابنا التكميل ولله الحمد . قال محمد بن واسع : أول من يدعى يوم القيامة إلى الحساب القضاة . وقال : خمس خصال
--> ( 1 ) في طبقات ابن سعد 7 / 241 : هو محمد بن واسع بن جابر بن الأخنس بن عابد بن خارجة بن زياد بن شمس من ولد عمرو بن نصر بن الأزد . وكان يكنى أبا عبد الله . له ترجمة في تاريخ الاسلام للذهبي 5 / 159 وتهذيب التهذيب 9 / 499 .